ابن عجيبة

493

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الحبس ، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم ، رحيم حين جعل له الرخصة ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ سلوك الطريق إلى عين التحقيق ، ويهديكم طرق الوصول ، كما هدى من قبلكم ، ويتوب فيما خطر ببالكم ، من الفترة أو الوقفة ، والله يريد أن يتعطف عليكم ، لترجعوا إليه بكليتكم . وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات ، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم ، يريد الله أن يخفف عنكم ، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم ، لأنكم ضعفاء إلا إن قوّاكم . اللهم قونا على ما نريد ، وأيدنا فيما تريد ، إنك على كل شئ قدير . ولمّا ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء ، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن ، وما يحل وما يحرم منهن ، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 29 إلى 30 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) قلت : الاستثناء منقطع ، وكان تامة لمن رفع ، وناقصة لمن نصب ، واسمها : ضمير الأموال ، على حذف مضاف ، إلّا أن تكون الأموال أموال تجارة . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ الذي لا تجوزه الشريعة ، كالربا والقمار ، والغصب والسرقة ، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك . إِلَّا أَنْ تَكُونَ ، أي : لكن إن وجدت تِجارَةً صحيحة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي : اتفاق منكم على البيع ، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان . وقال الشافعي : إنما يتم بالتفرق بالأبدان ، لقوله - عليه الصلاة والسلام : « البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا » . وحمله مالك على التفرق بالكلام ، وقال أكثر المفسرين : التخيير ، هو أن يخير كل واحد منهما صاحبه بعد عقد البيع . وقد ابتاع عمرو ابن جرير فرسا ، ثم خيّر صاحبه بعد البيع ، ثم قال : سمعت أبا هريرة يقول : البيع عن تراض . قال البيضاوي : وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير ، لأنها أغلب وأوفق لذوي المروءات ، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا . وقيل : المقصود بالنهى : صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى ، وبالتجارة : صرفه فيما يرضى . ه . الإشارة : لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم في غير ما يقربكم إلى الحق ؛ فإن ما سوى الحق كله باطل ، كما قال الشاعر : ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل « 1 »

--> ( 1 ) راجع التعليق على هذا البيت عند إشارة الآية [ 150 ] من سورة البقرة .